مجمع البحوث الاسلامية

837

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وعدله ، ولو لم تقم الحجّة بالعقل ولا قامت إلّا بإنفاذ الرّسل ، لفسد ذلك من وجهين : أحدهما : أنّ صدق الرّسل لا يمكن العلم به إلّا بعد تقدّم العلم بالتّوحيد والعدل ، فإن كانت الحجّة لم تقم عليه بالعقل ، فكيف الطّريق له إلى معرفة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وصدقه ؟ ! والثّاني : أنّه لو كانت الحجّة لا تقوم إلّا بالرّسول لاحتاج الرّسول أيضا إلى رسول آخر حتّى تقوم عليه الحجّة . والكلام في رسوله كالكلام في هذا الرّسول ، ويؤدّي ذلك إلى ما لا يتناهى ، وذلك فاسد ، فمن استدلّ بهذه الآية على أنّ التّكليف ، لا يصحّ بحال إلّا بعد إنفاذ الرّسل ، فقد أبعد على ما قلناه . ( 3 : 395 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 142 ) الواحديّ : لأنّه لو لم يبعث الرّسل لكان للنّاس حجّة في ترك الطّاعة والتّوحيد والمعرفة ، لأنّ هذه الأشياء إنّما وجبت ببعث الرّسل ، وقد قال في آية أخرى : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا طه : 134 ، فبيّن أنّهم كانوا يحتجّون بعدم الرّسل ، لو لم تبعث إليهم . ( 2 : 140 ) نحوه ابن الجوزيّ . ( 2 : 256 ) البغويّ : فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولا ، ولا أنزلت إلينا كتابا ، وفيه دليل على أنّ اللّه تعالى لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل ، قال اللّه تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء : 15 . ( 1 : 723 ) نحوه القرطبيّ . ( 6 : 18 ) الزّمخشريّ : فإن قلت : كيف يكون للنّاس على اللّه حجّة قبل الرّسل ، وهم محجوجون بما نصبه اللّه من الأدلّة الّتي النّظر فيها موصل إلى المعرفة ، والرّسل في أنفسهم لم يتوصّلوا إلى المعرفة إلّا بالنّظر في تلك الأدلّة ولا عرف أنّهم رسل اللّه إلّا بالنّظر فيها ؟ قلت : الرّسل منبّهون عن الغفلة وباعثون على النّظر ، كما ترى علماء أهل العدل والتّوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدّين ، وبيان أحوال التّكليف وتعليم الشّرائع ، فكان إرسالهم إزاحة للعلّة وتتميما لإلزام الحجّة ، لئلّا يقولوا : لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة وينبّهنا ، لما وجب الانتباه له . ( 1 : 583 ) نحوه الرّازيّ . ( 61 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : في انتصاب قوله : ( رسلا ) وجوه . . . المسألة الثّانية : اعلم أنّ هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره : أنّ المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام أن يبشّروا الخلق على اشتغالهم بعبوديّة اللّه ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبوديّة ، فهذا هو المقصود الأصليّ من البعثة . فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتمّ المطلوب ، وهذا المقصود الأصليّ حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب . ومن المعلوم أنّه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوبا في الألواح أو لم يكن ، وبأن يكون نازلا دفعة واحدة أو منجّما مفرّقا ، بل لو قيل : إنّ إنزال الكتاب منجّما مفرّقا أقرب إلى المصلحة لكان